ثلاث نقط على الحروف

Posted on أغسطس 18, 2012

0


لماذا نثور؟ على من نثور؟ من نحن؟ كيف نثور؟

لأنّنا بشر ثرنا على نظام غير بشريّ. أخطأنا بمحاباة الكثيرين بوصولية حمقاء، فلا شباب الثورة عملاء للصهاينة ولا للأخوان، ولا حتّى للسعودية والولايات المتّحدة. أخطأنا بأن سمحنا باختراقنا.

اخترقنا النظام منذ اليوم الأول، والدلائل هي اعتقالات تنسيقية أحياء دمشق وتوابعها. اخترقنا دعاة التطبيع والتنازل عن الحقوق كبسمة قضماني، باركنا كلّ من ادّعى دعمه ثورتنا كحزب التحرير في لبنان صاحب اليد العليا في موجة الطائفية القاتلة التي بدأت في بانياس وتلكلخ ثمّ دخلت حمص مع أموال الدعم بالطبع بعد مبادرة شبيحة الساحل. اخترقنا مموّلوا الثورة كالعديد من المنظمات التي تولّت تمويل الناشطين على الأرض، إذ روّج خطاب إعلاميّ لا يقل سوءاً عن إعلام النظام، من محاباة لجماعتنا ونكران لشهداء الجيش (لفترة طويلة قبل ظهور الجيش الحرّ) وتجاهل لمساهمات وتضحيات مدن كالسلميّة.

لا ألقي اللوم على الآخرين، هذه مسؤوليتنا جميعاً، لكنّي ألتمس العذر لأنّنا لم نختبر هذا في الماضي. الأصدقاء في فلسطين المحتلة يمكن لهم ان يشرحوا كيف اخترق دعاة التطبيع المجتمع الفلسطيني، صديقي الفلسطيني يذكّرني دوماً بأن سيارات الأجرة في الضفة هي الأحدث، وفي بلد تحت الاحتلال! سبحان الله! انفتح المجتمع الفلسطيني اقتصادياً تحت حكم السلطة الوطنية، وأصبح الانفلات الأمنيّ أداة بيد السلطة (أي بيد الاحتلال) ليحافظ على “الهدوء” بينما إسرائيل تتقدم من إنجاز إلى آخر على الأرض. السلطات هناك لا وقت لديها لمكافحة المخدرات في المخيمات لأنّها مشغولة بحماية حدود إسرائيل، والمقاتلون الوطنيون أصبحوا جزءاً من الماضي بعد انتعاش التدين، ونجاح الإسلام السياسي في “تحويش” القضية. فتحول الصراع إلى منحى مختلف بالتدريج وعلى مدى أكثر من 20 عاماً. إنّ العامل الأهمّ في هذه السلسلة هو الأمن، إن تحكّمت بأمن الإنسان امتلكت سلطة لا يستهان بها عليه. أي أنّ القوة هي ما يحكم المجتمع، في أي مكان أو زمان.

وبالطبع نحن نمرّ بالمراحل ذاتها، يريدون أن يصل الأمر بنا إلى حرب طائفية قميئة لا دين فيها ولا شرف، وقد أظهرنا “ممانعة” حقيقية للطائفية لفترة طويلة، لكنّ الزمام بدأ يفلته البعض ليعود ويمسك به آخرون، فيعتقل الآخر دون الأوّل ووينكّل به أكثر من الأوّل. ما زال النظام يعتقل السلميين، رغم كل الهراء عن الحرب الأهلية الجارية في سوريا. المشكلة الحقيقية في ممارسات بعض عناصر الجيش الحرّ (الذي باعتراف قياداته لا يخلو من مجاهدين أجانب وبالذات في جبهة النصرة التي تبدو صنيعة النظام) أنّها تفتح باب الحرب الطائفية على مصراعيه، يمكن للطائفي أن يجد في سوريا موطئ قدم بكلّ سهولة إن لم يكن قد وجد وانتهى. تبدو هذه الأشرطة بطاقات دعوة للجهاد ضدّ الشيعة في سوريا. يقلقني هذا التعبير لأنه فضفاض، لا يسمح للمرء أن يتوقع المعنى أو القصد، ولهذا كذلك نثور، لأنّ التلاعب بالجماهير أمرٌ مرفوض قلباً وقالباً، نحن أفراد متنوعون ملوّنون، لا قطيع صوفيّ أبيض.

أمّا ممانعة الغرب فهي أمر آخر. أرجو من جميع الشباب العاملين على الأرض توخّي الحذر الشديد (لا أعني الانتقائية إذ أدرك الحاجة الماسّة للتمويل) عندما يحاولون الحصول على دعم. لا تخضع لشروطهم تحت أيّ طائل، إذ أنّهم يحتاجوننا كما نحتاجهم. ليسوا أهمّ منّا بل إنّنا أنداد لهم، وإذ يرفضون عرض أمر ما لا يمكن لنا أن نعطيهم غيرهم. أنا أحمل اجندة التغيير، لم تصنع في الغرب بل نبتت من خلاصة معاناة شعوبنا وتجاربهم مع الغرب والشرق والشمال والجنوب. لعلّ أحد أسباب تأخر الدعم الغربيّ الصريح رفض الثوار لإسرائيل قلباً وقالباً، ولفخرنا يريدون قمعنا كما فعلوا بمنتفضي فلسطين واحتلّوا وول ستريت على السواء، نحن لن نرضى بدولة تشتغل عند أيّ قوى اجنبية من شركات أو وكالات طاقة أو غرف تجارة، اعتدنا سوريا مستقلّة ولن نتنازل عن هذا. أردنا وحدة أرضها وسنحافظ عليها كثوّار. ليس لأننا ممانعون أو مقاومون فقط، بل لأنّهم عدوّ لنا كالنظام. ليسوا أعدائنا كعرب أو كمسلمين. هم أعداء البشرية ونحن نثور لكرامة البشرية.

Advertisements
Posted in: رأي