مصير الثورة الاجتماعية

Posted on مارس 29, 2012

0


منذ عام، قدمت إحدى صديقاتي إلى منزلنا هاربة، كانت في المظاهرة عندما هجم عليهم بلطجية (تخفيف شبيحة) النظام، عندما وصلت أنا إلى مكان المظاهرة لم أجد سوى صور بشار وحافظ الأسد في أيدي الشبابيح وسط الشارع، أدركت أنني تأخرت وعدت إلى مكان سكني. عندما أتت كانت خائفة وحزينة: “هجموا واعتقلوهن بس أنا نفدت خود الفيديوهات بركي بيتبعتوا معك”.. المصورة كانت امرأة، الناقلة كانت امرأة، وأنا قمت بأبسط عمل: النشر. أي العمل الأقل خطراً لإمكانية حماية الشخصية والخصوصية.

انتشرت الثورة في مناطق يراها العديد من الجهلة في بلدنا مناطق متخلفة منذ بداية الثورة، وفي الواقع هناك تمييز عنصريّ في سوريا منذ عقود، ليست جديدةً نظرة المدينيّ الدونيّة لابن الريف، وليست مستغربة في بلد غاب عنه الاعتناء بالريف تعليميّاً وثقافيّاً، وشجّعت فيه الحكومات عبر سياساتها على الهجرة من الريف إلى المدينة بدل العمل على تنمية الريف، و”اللي ما بيعرفك بيجهلك”. النظرة الدونية، والخوف من الإسلام السياسي والتطرف أهمّ أسباب تأييد النظام برأيي، والأخير عمل جاهداً على تقوية هذه النظرة تجاه المتظاهرين. لهذا يرى المؤيدون للنظام أنّ الثورة دينية متطرفة ويقولون أنّ العلمانيين غرّر بهم أو دفع لهم ليشاركوا فيها. ويتبجحون دوماً بالحريات الاجتماعية، فيسأل ضابط الأمن متظاهراً كحوليّاً:”شو بدك أكتر من هيك حرية؟ بتسكر بأي وقت بدون مشاكل”. ويخلط الإعلام الرسميّ الحريات الاجتماعية بالسياسة كما اعتاد ليزيد إرتباك المتلقي المتعوس.

على الأرض يبدو أيّ حديث عن ثورة اجتماعية مؤجّلاً، لا لشيء، إنّما “مو وقتو.. لاحقين”، ورغم أنّ العديد من المناطق التي تظاهرت محافظة، فتجد قسم شباب وقسم “حرائر” في المظاهرة، أرى الثورة الاجتماعية جارية بصمت وبطء. لأن الثورة الاجتماعية لا تقتصر على الحرية الشخصية، بل تشمل المفاهيم الأساسية في المجتمع، يمكن للباحث عن الحقيقة أن يرى بوضوح مدى تطور وضع المرأة في الكثير من المناطق السورية بسبب الثورة، نساء دوما وتنسيقيتهنّ خير مثال، ازدادت نسبة الوعي عند الذكور لأهميّة المرأة كإنسان، فالزوجة التي تسحب الولد من بين أيدي الشبيحة ثائرة من العيار الثقيل. والنساء اللاتي يصممن شعارات مظاهرات إدلب ينافسن نساء العالم أجمع في إبداع، ولهنّ جميعاً الفضل في الشكل الحسن للمظاهرات التي خرجت في العديد من المناطق، كالأعلام الكبيرة والصحون الكرتونية الملونة أو حتى المظلات. وعندما اشتدّت الظروف والتضييق تراهنّ أكثر من الذكور في تشييع المزّة الشهير تحت الثلج. لا أدّعي أنّ المرأة نالت حقوقها، لكنّ ثورتها الخاصّة نقيّة وصادقة، وتعبّر عن كبت مرّت عليه سنون يفرّغ اليوم بإيجابية وفعالية واقتدار أكبر من الرجال.

فرضت المرأة السورية نفسها أمّاً للثورة وحاضناً صلباً لها. ولا يقتصر الأمر على ناشطات ومعارضات بغالبيتهنّ علمانيات بل شمل النساء المتعلمات والأميّات في الأرياف المحافظة والصبايا في المدن والأرياف سويّة، يقمن بإدخال المساعدات وتهريب الناشطين والتظاهر والتصوير.

ساهم إعلام الثورة بشكل بسيط في الثورة الاجتماعية لحساب الثورة السياسية، أمّا وسائل الإعلام العالمية فقد غضّت الطرف عن هذ الأمر مقارنة باليمن التي أصبح لنسائها شهرة عالمية بسبب مشاركتهنّ المحورية في الثورة. تميّزت مجموعات في هذا الإطار نشطت إعلاميّاً لتروّج لمفاهيم معينة كمجموعة “ثائرات سوريا لا حرائر“على سبيل المثال، ونشط التدوين السوري كثيراً، وبدأت الجودة ترتفع شيئاً فشيئاً في مجالات الموسيقى والسينما والفن التشكيلي، وهي جميعاً بوادر الثورة الاجتماعية الجارية في سوريا، تحت السطح تجري بكلّ هدوء، على عكس انفجارية الثورة السياسية، وهو ما يعمى عنها النظام لحسن الحظّ وبعض المعارضين لسوء الحظّ، لكن ربما يكون الأفضل للجميع أن يبقى جزء أساسيّ من الثورة بعيداً عن يد الإعلام والسياسيين.

Advertisements
Posted in: رأي