البلوكة الثامنة- انتبه! الشعب واعِ

Posted on يناير 22, 2012

0


في السرفيس الذي يعارك في ساحة باب مصلى، همس لي في أذني: “ربما يكون صديقنا تحتنا تماماً”. نعم، أحد أصدقائنا المعتقلون قد يكون تحت الإسفلت في وسط الساحة، على عمق يكفي لعزله. هذه إحدى الأساطير الكثيرة عن فروع الأمن التي غزت دمشق كالفطريات، تخيلت أن يكون صديقي المعتقل تحتنا بالفعل،انتابني خشوع غريب على وسط العاصمة الملوث، أليس في هذا شيءٌ من القداسة؟ هذه الأرض الوسخة، تحتها ما سيصبح متحفاً ليرى الناس ما كان يجري في سوريا. في هذا المكان طهارة معتقلي الرأي تحاصرها  قذارة الظلم، يحتاج المرء إلى دقائق ليتنفس روائح العوادم وكأنها هواء الريف العليل. أغلق الأمن طريق السويقة، أمام فرع الأمن الجنائي وكأنه يرفض أن يخفّ الزحام رغم انخفاض الحركة في المدينة إلى حد كبير، عناصر الأمن المدجّجون بالسلاح يختبئون وراء منظر الواثق لكن حواجزهم الإسمنتية تفضح خوفهم، لم توضع هذه الحواجز لتحمي العناصر، فهم في معظمهم مجرد مجندين لا يملكون من امرهم سوى تعابير وجههم وبضع كلمات روتينية. في عيونهم نظرة المذنب الكاتم للحقيقة. هل صديقي هنا أم لا؟ هل يوجد زنازين تحتي في الأرض أم لا؟

في دمشق الكبيرة ترى كل سوريا، الحمصي الذي ترك أهله لأنه معارض من حارة مؤيدة، الطالب الحوراني المضرب عن الامتحان وعن العودة إلى درعا، التاجر الذي يغير محطة التلفزيون عندما يدخل الزبائن، أبناء دمشق المنتشرون منذ سنوات في ريفها حاضن الطبقة الوسطى، جميعهم يمرون من نقاط كساحة باب مصلى لتخطر ببالهم الفكرة عينها. يختلف اسم الصديق المعتقل لكنّنا جميعاً مشتركون في هذا الهمّ، يعرفون أنني موجود كما أعرف أنا بوجودهم، قلبنا واحد، وأيدينا مختلفة. هذا هو سحر العاصمة وتلك لعنتها. في دمشق الكبيرة ترى كل سوريا.

هناك من يظنون أن دمشق وحلب خارج سوريا، لست في حلب لأحكم، لكن دمشق لا تستطيع أن تكون خارج التاريخ، ليست الشام مدينة بسيطة أو جانبية أو حتى سهلة الفهم، لن أنتهي إن بدأت في تعداد الأسباب المنطقية لحتمية تأثر وتأثير الشام بالثورة، أو في تعداد الدلائل على تفاعل الدمشقيين مع الثورة منذ البداية. صديقي القابع في قبو في مكان ما في دمشق يستحق منّا وقتاً وجهداً أكبر بكثير من مبارزات كلامية وإعلانية حول السياسيين المعارضين الذين خذلونا مرات عديدة كل على حدى، وحول جدوى والاستجداء للخارج و حول أيّ الحارات والقرى قدّمت تضحيات أكبر ومن يستحقّ الكعكة.

يهتف المتظاهرون “ما إلنا غيرك ياالله”، تتردّد هذه العبارة في كلّ مكان؛ ربات المنازل تتنهّدها عندما تنتهي جرة الغاز قبل أن يستوي الطعام، والمتفرجون على اعتقال متظاهر في وسط الشارع، والمصطفون يوميّاً على حواجز  المخابرات. يسمع كلٌّ على مزاجه، فمدّعو العلمانية الذين ما زالوا في عهد مفاهيم الأقليات والأكثرية يخافون من الإسلام وكأنّه اختراع فضائيّ جديد لا يمكن ضبطه أو التحكم بتأثيره، وكأنّ العلمانية تعادي الدين. والإسلاميون السياسيون يرونها شعبية جارفة في الشارع وكأنّهم آل سعود أو الفاتيكان في العصور الوسطى، أمّا جماعة الناتو فيرونها تعبيراً عن أنّ الجامعة العربية انتهت وكل الحلول نفذت فعندهم في دعوة صريحة للتدخل العسكري الخارجي المباشر. تصدّر هذه الآراء إلى الإعلام لتنهمر علينا في بيوتنا، فتنستنتج: “ما إلنا غيرك يا الله”، نحن لا نرى الكعكة التي يرونها.

أعرف أنّني لم أختلف مع متظاهر من أي منطقة في سوريا إلاّ على خيارات ثورية، كسلمية الثورة والتدخل الخارجي، لم نختلف يوماً على الدين والدولة والمواطنة والحقوق والواجبات، وكذلك نختلف بشأن تفاصيل لكنّنا نحجمها بشكل عام، لم أر يوماً شرخاً في الشارع الثائر، لكنّني رأيته في الشارع السياسيّ، وأعرف لمَ، لأنّ صديقي المعتقل همّ يوميّ يضاف إلى الكثير من همومي التي أصبحت مشتركة مع أغلب أبناء وطني، نحن شعب واحد لأننا نشترك في الهمّ. لا نبحث عن منصب أو سلطة “هي لله هي لله.. لا للسلطة ولا للجاه”. السياسيون الداخلون في صراعات طفولية لا يخدمون الشعب، وهو السبب الذي جعلنا نرفض النظام من البداية. عليهم جميعاً أن يحسبوا حساب المستقبل، نحن قادرون على اللعب بالكلام، وتجيير قضية لخدمة قضية أخرى -كما ترون- والثائر هو صاحب الإبداع لا السياسيّ. نحن نزلنا في البداية إلى الشارع لنحصل على حقوقنا ونؤدي واجباً وطنيّاً، لنصبح مواطنين حقيقيين. انتظرنا منكم الكثير لأنّ النظام اقتلع حناجر الثورة باعتقالاته الرهيبة ، لم نكن منظمين كفاية لنقود أنفسنا أو نمثّل أنفسنا، ثورتنا إنسانية وصوتنا الآن يبنى، على اختلاف انتماءاتنا الفكرية وستسمعونه رغماً عنكم في المستقبل، لسنا شعباً متخلّفاً ولن نتحول من راع إلى راع آخر.

Advertisements
Posted in: بلوك