أدرينالين

Posted on نوفمبر 28, 2011

0


لهاث..
يتمالك نفسه لأنّه بدأ التسجيل ويذكر اسم المكان: حمص باب السباع، ثمّ الزمان: 25\11.
“عم نحاول ندفن شهيد بس ما عم نقدر، عم بيقوصو علينا” يتداخل الكلام مع النفس السريع، يبدو كوصيّة عاجلة كتبها من يريد الدلالة على هوية وجريمة قاتله. التصوير تحت الرصاص أصبح مألوفاً في سوريا. لعلّ شجاعة المصوّر تساوي فظاعة الموقف، في اللقطة الثانية يظهر الشهيد للمرة الأولى، ينزله شابان ورجلان أحدهم شيخ جاء ليؤمّ صلاة الجنازة تحت النار. يهتزّ النعش بشدّة، يظهر واضحاً توتّر الجميع وثقل المهمّة، كيف تدفن إنساناً والأرجح أن لا تتمّ الصلاة لروحه إلّا ملقى بجانبه؟ يعرّف المصوّر بالشهيد، ثمّ في اللقطة الأخيرة نرى شباباً من حيّ مجاور يسحبون النعش على الأرض باستخدام حبل، ليصل بأمان إلى من يستطيع دفنه. هل هو من الحي الآخر  أم أنّهم لا يستطيعون دفن شهدائهم فيفوز الحيّ الآخر بهذا الشرف؟

في حي باب السباع، في هذه الأيام من عام الربيع، ليدفن المرء إنساناً بطريقة إنسانيّة يعرّض نفسه  للموت، يتمسّك السوريون بشهدائهم، لأنهم السبب في تغيّر كل شيء، هم وقود الثورة. يُحمل أب الشهيد على الأكتاف، ويُبارَك لأهله به، يُزفّ عريساً. يمنح الجميع باستشهاده طاقة هائلة، لتتغلب الإرادة على الخوف، ويصبح مكان الشهيد العزيز هو طموح كلّ من شارك بدفنه.. “عالجنة، رايحين، شهداء بالملايين”.. عندما سمعت هذا الهتاف للمرة الأولى أرهبني، اقشعرّ بدني ولم أستطع في البداية أن أردّده لِفرْط ما فيه من تضحية، المنطق الجديد في سوريا الثائرة هو “عش كريماً أو مت كريماً”، بعد أن كان” الحيط الحيط ويا ربي السترة”. وهو ما يغيظهم، القتلة يعلمون أنّ الناس لم تعد تخاف حتّى من الموت، غزارة الدماء السورية أدخلتنا جميعاً في متاهات الوجود والموت والروح والآخرة والحلم والمستقبل.

لا يجازف متظاهروا سوريا ليثبتوا موقفهم فقط، بل لينالوا فرصة الشهادة، ليست الشهادة مفهوماً دينيّاً فقط، بل هي أكبر تضحية يمكن أن تقدّم للثورة. أكثر ما يخيفني في الموت هو أن لا  أرى القتلة يحاسبون، وأكثر من هذا أخاف استمرار النظام، هذه هي المعادلة البسيطة. إنّ أسوأ ما يمكن أن يحدث في سوريا هو أن لا يسقط النظام، لذلك ستستمرّ الثورة. يريد النظام حرمان أهالي باب السباع من عرس شهيدهم لأنه يريد دفع الشعب إلى أقصى حدود الرعب، هذا ما يسمّى بالإرهاب المنظّم. هذه الديكتاتورية في أحد أسوأ صورها وأكثرها فجاجة. يهاجمون التشييع الأعزل في دير الزور ردّاً على هجوم الجيش الحرّ، ويهاجمون التشييع في اليوم التالي كالعادة. تعود عجلة الدم المؤلمة للدوران. ألن تنتهي يوماً؟ لا يبدو هذا اليوم قريباً، النظام في أشرس حالاته، يضرب يميناً ويساراً، بدأ يضعف لكنّه ما زال قادراً على القتل، أضف التوتّر الطائفي، ونذالة السياسة الدولية، لست قادراً على التفاؤل بأن ينقص عدد الشهداء حتّى أرى نفسي في الشارع،لأتعرّض لكلّ ما تعرّض له أهلي في أماكن أخرى من الوطن، فأدفع الثمن الواجب لأحصل على حريتي، أنا لست بخيلاً.

Advertisements
Posted in: مخربشات