لا ندفن شهداءنا مع أحلامهم.

Posted on سبتمبر 5, 2011

0


أكثر ما يرعبني في هذه الفترة هو أن يعتاد العالم على مقتل السوريين، أن نصبح أرقاماً في نشرات الأخبار لا شهداء باسم وعائلة وأصدقاء ومهنة. إنّ الموت اليوميّ يبثّ التعب والحقد والاندفاع والحزن العميق في الوقت نفسه، الإنسان الذي أدمن الأدرينالين لم يعد حماسيّاً كما كان عندما ينقل خبر إطلاق النار، الحوارنة والحماصنة تعودوا صوت الرصاص وتعايشوا معه، لم يعد إطلاق النار المستمرّ “خبراً” ولم يعد الشهيد خبراً كما كان في الماضي. ربما دخلنا في مرحلة الاعتياد، وبالرغم من أنّ تعوّد صوت الرصاص أو وضع الشهادة كقيمة في إطارها السياسي الصحيح إيجابيّات يتمتع بها الشعب والشعب فقط يصبر بهذه الطريقة، لا يمكن أن نقبل بأن يصل الخبر إلى دمشق وحلب كرقم، لا يجب أن يشعر أهل الشهيد أنّ ابنهم رقم لا أكثر لأنّ هذا سيجرّهم إلى العنف المضاد بطريقة أو بأخرى.

الأسوأ من هذا كله هو الملل.. في البداية كان المنحبكجية يقولون “إي والله ملينا ما كنا نخلص”، وكانت هذه نقطة قوتنا، لكن المندسين اليوم بدؤوا يخطؤون الأخطاء نفسها..  رفيقي المندسّ، أخي الثائر، ممنوع الملل، الملل يحوّلنا إلى أرقام، لا أقبل أن يقول أحد “ملّيت”.. لأننا لا ندفن الشهداء مع أحلامهم. لا نخون عهدهم مهما حصل. إن قلت “تعبت” فأنت إنسان طبيعي مثلنا جميعاً.  إن قلت “مللت” فأنت لست مدركاً ماهية الثورة.

تذكّر العراق، وكيف حول العنف الأنسان العراقي إلى نماذج وأنماط واضحة وسهلة الفهم وبعيدة عن التفرّد، في سوريا رأينا منهم الفقراء والأغنياء من أغلب الطوائف، أغلب أصدقائي العراقيين كانوا كحوليين ومكتئبين، ترى الشتات في عيونهم وحنين إلى وطنهم الذي لن يعود كما كان. تذكّر أيها السوري أنّ اللاجئين ما زالوا في خيامهم، المعتقلون في سجونهم ومدارس الأطفال وملاعب الرياضيين، الأطفال لا يلعبون في كثير من مناطق بلدك. تذكّر أننا لم نعلم بعد عدد الشهداء الدقيق، ولا المخطوفين. تذكّر أنّ الجيش ما زال في مدننا التي أكل عليها الدهر وشرب وجاءها الآن من يبول على آثارها ويشوّه معالم وجهها.

تذكّر أيها السوري أسماء الشهداء، تخيل رصاصة القناص تهوي من سطح برج (8 آذار) لتخترق جمجمة ولدت من جديد في (15 آذار)، وهي غضّة مليئة بالمستقبل، تخيّل الدقائق الأخيرة قبل الموت، أصوات الناس حول الشهيد “تشهّد يا أخي.. قول لا إله إلّا الله..” ضع نفسك مكان المحتضر وقل لي حينها.. هل لك أن تملّ؟ يكتبون بدمهم ودم أخوتهم كلمة حريّة على الجدار، يفجّرون كبت عقود وتقاليد اضطهاد الكبير للصغير والرجل للمرأة والمسؤول للمواطن. ينقضون أساس حياتهم ووجودهم ليصبحوا بشراً مستقلين، يحترم كلّ منهم على حدى ويعني اسمه شيئاً، ليس ابن هذا البيت أو زلمة ذلك الرجل أو عضو تلك الطائفة، ليس الأمر تغيير الحكم أو إسقاط النظام فحسب، إسقاط النظام أصبح ضرورة لأنّ النظام يقف في وجه تطوّر الشعب السوري من رعيّة إلى مواطنين.

Advertisements
Posted in: مخربشات