البلوكة الخامسة- أنا عرفت شو أنا.. أنت شو؟

Posted on يوليو 15, 2011

0


منذ أربع أشهر بالضبط، عندما خرج شباب سوريون إلى الشارع ليطالبوا بحريتهم، طرحت أسئلة تبدو اليوم ظريفة:

– شو بدهون هدول بالله؟
– قال بدهون حرية
– ليش هدول بيعرفو شو يعني حرية؟

ثم تطور الوضع بعد بيان أهالي درعا ثم دوما، قلنا: بدأ الفرز، بالطبع لم نتمكن من رؤية القادم!

– شو بدهون هدول؟
– قال بدهون حرية
– إي الواحد بيناتهن ما بيخلي حدا يشوف وجه أختو وبدو حرية؟
أو:
– لك هدول جماعة حبحبجية متعاطيين حبوب وطالعين يخربو، هي الحرية؟
أو:
– مسلحين طائفيين بدهن يخربو البلد وكم واحد مصدق الفيسبوك ونازل من كل عقلو ليغير النظام

طبعاً في الوقت ذاته كان الرئيس سبّاقاً إلى الاعتراف بما سمّاه “أخطاء” الأجهزة الأمنية فكرّت المسبحة، وأصبح مريدوا النظام يسوّقون لفكرة أنّ الرئيس لا ذنب له، هذا ما ظهر واضحاً بعد أن بدأت الحناجر تهتف بإسقاط النظام. وهو ما يحمل اعترافاً ضمنيّاً بكذب الاتهامات السابقة، لأنّ الأجهزة الأمنية يجب أن تضرب بيد من حديد ضد من يخرّب الدولة ويهدد الوحدة الوطنية، إذاً ما الخطأ فيما فعلت؟ هذا هو الأساس الباطل الذي بنيت عليه الاتهامات اللاحقة، وهو يفضح إلى حدّ بعيد ممارسات الأجهزة الأمنية. لكنّي في الوقت ذاته لا أقبل تفسيرات الانشقاقات والإعدام الميداني على هذا النطاق الواسع المطروح من بعض الثوار. هنا ينبغي التوضيح.

أنا عرفت شو أنا، أنا أعرف -كما جميع السوريين- انتشار التهريب في المناطق الحدودية، وأعرف أن المهربين مسلحين، وأعرف أنّ أهل حوران يقتنون السلاح ويعانون من بعض المشاكل الاجتماعية المرتبطة بالعشائرية والثأر. أنا أعرف أنّ العديد من أهل حوران أطباء ومهندسين وطلاب وفلاحين وأصحاب حرف. هم لا يختلفون عن باقي السوريين رغم خصوصياتهم، وهم قبل الأحداث يحبّون الرئيس ويرون فيه قائداً كفؤاً. بالطبع كانت المظاهرات بمعظمها سلمية، وأهل درعا يعلمون جيّداً أنّ بعض أبنائهم الغاضبين حرقوا بالفعل بعض المكاتب والأمن أحرق بعضها الآخر. لكنّ المتظاهرين قتلهم الأمن، والدم غدا وقوداً لما أصبح ثورة المستحيل. ولن أقبل أيّة فرضية لمؤامرة على البلد، لأنّي أثق بوطنية السوريين، وأعرف أنّنا لسنا قطيعاً رغم ما زرعه فينا النظام لعقود.
قرّر الجيش دخول درعا بعد الأمن، بالطبع وكما يعرف كل أهل درعا قاوم بعض الشباب دخول الأمن بالسلاح، وقتلو عدداً كبيراً من عناصر الأمن. لكنّ هؤلاء لم يكونوا متظاهرين سلميين، وعناصر الأمن لم يعدموا ميدانيّاً. لا يجب أن نقبل التعميمات من أيّ إعلام، المحلّي أو العربي أو العالمي. لا يمكن أن أضع المسلّح والمتظاهر السلميّ في نفس الخانة، مخربون، مندسون، ثوّار، متظاهرون. هذا التعميم مصيبة.

الثورة ليست مؤسسة كجيش أو حزب، ولا تحمل فكراً واحداً. الإسلامي والشيوعي يهتفان “الله أكبر”، هل تريد من إسلامي وشيوعي أن يتفقا على أسس نظرية لبديل قادم؟ تحت صوت الرصاص؟ لنسألهما، شو الحريّة؟ سيفاجئانك بأجوبة متقاربة، لأن النقاش السياسي أصبح شغل الشارع. وبعد أربع أشهر بنى كلّ منا رأياً ما، نقترب من بعضنا في أمور كثيرة وهو سبب انتشار المظاهرات في كل سوريا. لكنّنا لسنا أصحاب فكر سياسيّ واحد. تجمعنا مصلحة مشتركة وآلام مشتركة، التعاطف الكبير بين المعارضين لبقاء النظام حول سوريا مرتبط باللحظة، لا أعرف إن كان سيستمرّ لكنّه رصيد لنا جميعاً ولوطننا، الوعي الذي انتشر في سوريا في الأشهر الماضية عوّض أربعة عقود من البعد عن السياسة والرأي والقرار إلى حدّ ما. أطفال سوريا أصبحوا يتابعون ويعلمون ما يحصل.

أنت شو؟ من أنتم؟ (كما يقولها القذافي)
المؤيدون. طوال عمري وأنا أحاول أن أفهم لماذا يحبّون الرئيس؟ لماذا يفترضون أنّ المسألة مسألة حبّ ومشاعر أصلاً؟ هل يؤيدون الحزب “الاشتراكي”؟ أو السوق الاجتماعيّ؟ هل هم مع حريّة الرأي أو ضدّها؟ هل أصبح أكبر أحلامهم تخفيض سعر المازوت؟ لماذا يصرّون على المازوت بالمناسبة؟
فعلاً! أنت شو؟ شو بدك؟ مطرح ما بتدعس منبوس.. طيب ماشي، ليش؟ أنا شو خصني؟ ليش عم تخبّرني هالمعلومة العظيمة بنص الشارع؟ أبو حافظ؟ طيب ماشي… ليش عرفت من أوّل ما قالوا الله سوريا حرية وبس أنهم ضد الرئيس؟ لأنك بتعرف أنو الرئيس ضد الحريّة؟ أنت شو؟ شو هالتناقضات كلها؟ كيف مخك لهلق ما فصل؟ شو دخل بانياس بألمانيا؟ شو دخل حمص والحماصنة بالسلفية؟ أسئلة لا تنتهي… لأنو كل ما حدا بدو يدافع عن النظام بأفضل الأحوال بيقول أنو الزلمة عمل إصلاحات. بس هو ما شاء الله عمل وكتّر يعني. أمّا كل ما تبقى فهو ضد أمريكا والخليج وإسرائيل والحريري وتركيا والسلفيين والقاعدة (ترقبوا)..

برأيي أنّ السبب الرئيسي للمطالبة بإسقاط النظام هو مؤيديوه. المهم في جميع الأحوال أن نعرف أنفسنا بالدرجة الأولى، لن ينقص منّا شيء اعترافنا بأخطائنا بل هو بالضبط ما يميّزنا عن سفاهتهم. يجب أن نحاسب من يخطئ بيننا. فلا نجبر أحداً على المشاركة بالثورة ونعاقب من يفعل ذلك بطريقة مدنية حضارية، سنحافظ على سلميّتنا ليس لأنّنا جميعاً واعون إلى أبعد درجة بل لأن الشهداء ماتوا على عهد السلميّة، وكذلك نحن سنكون.

Advertisements
Posted in: بلوك