البلوكة الرابعة- سلمية ولو بالزّور

Posted on يونيو 30, 2011

0


في السبعينات كتبت أولريكه ماينهوف: “إنّ رمي حجر واحد عمل تخريبيّ، لكنّ رمي ألف حجر معاً فعل سياسيّ”، كجزءٍ من مرحلتها كانت هذه الكلمات انطلاقتها كناشطة، ثمّ تحوّلت إلى الكفاح المسلّح. في النهاية ماتت مع أعضاء خليتها في سجنهم في ظروف مريبة بعد أن دافعوا في المحكمة عن أعمال سمّيت بالإرهابية واستهدفت مواقع للجيش الأمريكي كردّ على غزو فييتنام.

اليوم نشاهد أعمال شغب في اليونان، وسط نشاط شبابي جارف وسيستمرّ ويمتدّ، و نرى الكثير من النقاشات حول مدى سلمية الاحتجاجات في سوريا، مسألة العنف تتعدى المحليّة، الغضب من طرفين سيولّد العنف حتماً. أرى الغضب من الكثير من المتظاهرين، وأرى الثقة والحس الكوميدي العظيم أيضاً. وهو الصحيح، في فيلم الأسد الملك The Lion King يضحك الأسد الصغير بصوته الصغير ويقول بالمصريّة: “أنا بضحك في وشّ المخاطر.. ها ها ها” كلما رأيت الشباب يضحكون أتذكّر ضرورة الضحك وضرورة الاستخفاف بقدرتهم على قمعنا، لأنّ لا حلّ آخر. بالمبدأ الثوري، كلما اقتربنا من الضحك ابتعدنا عن العنف.

الحجر الذي تكلّمت عنه أولريكه ماينهوف ما زال عملاً تخريبيّاً، والألف حجر معاً أصبحت بمعايير متصلبي الأدمغة “عملاً إرهابيّاً”. يتهموننا بكل ما ليس فينا حتى لم يصدقهم أحد عندما وضع الجيش في معركة مع مسلّحين مازال أحد غير قادر على شرح من هم أو من المسؤول عنهم أو من “دسّهم”. في بانياس لجأ البعض للسلاح، في درعا وفي الزاوية كذلك. بالنسبة للمؤيدين للنظام، هذا دليل قاطع أنّ الثورة ليست سلميّة وبالنسبة للثوار هذا دليل قاطع أنّ الأمن يقوم بمؤامرة دنيئة مستخدماً الجماعات التي درّبها من أجل عيون إخوتنا العراقيين وتأجيج نزاع طائفي هناك. في الحالتين لا يغيّر الرأي في الأمر شيئاً. لأنّ النظام السوري دنيء ومجرم منذ عقود، ليس الأمر جديداً. ونظرية الحرس القديم والجديد قد تنطبق في الحزب الذي لا قيمة له. لكنّها كلام فارغ في مفاصل الدولة الحيوية، الحرس الجديد هو القديم ولن يغيّر إرهابيو الدنيا هذا الواقع. كذلك الأمر بالنسبة للأنظمة العربية التي تتهمها السلطة بالمؤامرة، وأيضاً الأنظمة العالمية ذات التاريخ الأسود، من فرنسا إلى الولايات المتحدة إلى إسرائيل. ولن تغيّر شبيحة العالم هذا الواقع كذلك.

اليوم لسنا أمام خيارين كما يروّج البعض، السلميّة ليست فقط من مميزات الربيع العربي (باستثناء ليبيا). السلميّة ضرورة نظرية وواقعية، هي من مكوّنات مرحلتنا وركيزة للتتغيير. إن كان هناك مؤامرة فهي مسلّحة، لا يمكن اختراق السلميين ليحقّقوا مصلحة أجنبيّ في الشارع مواجهين الرصاص. لكنّ المسلحين على العكس تماماً. في الوقت نفسه، لا يمكن للثوار أن يختارو السلاح لأن السلاح سيقبر ثورتنا ويعطي للقاتل مبرّراً. لم يحاسب حافظ الأسد على مجزرة حماة كجريمة ضد الإنسانية، بل ندّد العالم “بالاستخدام المفرط للعنف”. السبب القانونيّ هو أنّ العديد قاوموا بالسلاح واحتضنوا أنشطة إرهابيّة. أنا لا أوافق على هذه التفاصيل لكنّها أمر واقع. الشعب السوري تعلّم درسه إلى حدّ ما، الخيار الوحيد المطروح هو السلمية، الطريق الآخر سيودي بنا إلى مشاكل طائفيّة قد تتطوّر. لسنا مجتمعاً عنيفاً بمعايير عديدة لكنّنا مجتمع يعاني من العديد من الأمراض التي نتناساها وقت الأزمات. والتناسي أسوأ من أن نحوّل مشاكلنا إلى هواجس تعيق تقبّل التغيير.

السبب الآخر هو التاريخ، الهند اليوم دولة قويّة رغم كلّ مشاكلها، رغم كلّ التنوع الديني، وصلوا إلى صيغة كانت بعيدة عن أحلامهم وقت بدأت الثورة السلمية، وحافظوا على مكوّنات مجتمعهم إلى حدّ بعيد. كذلك الأمر في البرازيل وماليزيا، مصر ما تزال تخوض ثورتها ويمكننا أن نرى نتاج الثورة السلمية، ورغم عسر الولادة يتجهون نحو الديمقراطية. السلمية بداية بناء فرد ومجتمع حيوي وإيجابي وقادر على النقاش في الأمور المصيرية.

Advertisements
Posted in: بلوك