البلوكة الثالثة- صحافة مين؟

Posted on يونيو 28, 2011

0


عندما خرج الممثّل عبّاس النوري من مؤتمر (سميراميس) حاصرته كاميرات ومايكروفونات الصحفيّين اللاهثين لمعرفة ما جرى في القاعة، بالنسبة لي كان المشهد مفرطاً في الكوميديا، كنت أتابع ما يجري في الداخل عبر تويتر ولم أتوقّع “لسذاجتي”  أنّ مراسلي المحطات المحليّة مازالوا لا يتابعون تويتر.

أعتقد أنّ شابّاً من باب السباع نقل بكاميرا هواة أضعاف ما تخيّل الصحفيون، وهذا نموذج بسيط جدّاً عن الفارق الكبير بين الناشطين المتحمّسين إلى أبعد درجة وبين من اكتسب وظيفة في نظام اقتصادي وسياسي قاس على الجميع. لا أعتقد أنّ كلّ العاملين في الوسائل الإعلامية الرسمية أبواق أو ما شابه. في هذه المؤسّسات من حاول عدّة مرّات في الماضي أن يكسر النمطية المنفّرة، لكنّ الأغلبيّة تختار بحسب الواسطة كما يعلم السوريون وتعمل بفعل الضغوط لا بشكل مؤسّساتيّ.

ربما بدأ الأمر مرتجلاً. لكن الواضح اليوم أنّ النشطاء في سوريا طوّروا آليات عمل في ظروف حالكة، لن أنسى هنا أنّ الإنترنت عالم يتطوّر يوميّاً، وما تعلمّته منذ سنة لن ينفعك اليوم في الحفاظ على خصوصيتك أوسريّة نشاطك. بالذات عندما تفتّح كلّ سلطة أمنيّة عيونها عليك. لا أعتقد أنّ أيّاً من الصحفيين السوريين قام منذ الخمسينات بعمل صحفيّ حقيقي رغماً عن أنف السلطات الأمنيّة، في هذا ثورة صغيرة! أن تصوّر مظاهرة يعني أن تعرّض نفسك للخطر، أن تحرّر وترسل الفيديو يعني أن تعرّض نفسك لنفس كميّة الخطر. مع فارق مهمّ هو أن الإنترنت فضاء لا تسيطر عليه القوى الأمنية السورية بل تحرس مدخلها فقط فمن الممكن أن يزيد أمانك، أو يتضائل احتمال اكتشافك.

بعد الضغط الشعبي في الشارع، أعيد الأمر إلى النشاط على الإنترنت. تفوّق الناشطون على النظام في هذه أيضاً، وبالرغم من أنّ النظام يملك المفتاح لهذه البوّابة، لا يمكنه أن يمسك بنا إن لم نخطئ. يمكن له أن يغلق الباب على كلّ حال لكن إلى متى؟
أثبت الشباب السوري من ضمن ما أثبت امتلاكه قدرات إبداعية ومزاجاً عالياً. لا يمكن لك أن تقارن كوميديا تسخر من وليد المعلم بكوميديا تسخر من (مخرج فيلم البيضة الهوليوودي) بحسب “الناشطين” المؤيّدين للنظام. نحن شعب احتاج النكتة السياسيّة لمدّة طويلة، وبدل أن نتهامسها كما كنّا نفعل استخدمنا كلّ ما يمكن، باذنجانة حمص المتفجّرة، اختفاء أوروبا، مشحم حمص الدولي للدبابات،سيارة الفورد الحمرا و الثورة الصينية وعشرات الفيديوهات التي صنعت في الشارع أو في غرفة معتمة. هزم النظام على الإنترنت منذ البداية، وكانت لنا مساحة الحريّة الافتراضية المؤقتة، كالتي استطاع المصريون انتزاعها في ميدان التحرير.

أتفاءل كثيراً عندما أتخيّل مستقبل هؤلاء الشباب إن بقوا سالمين! أتخيّل إلى أين سيذهبون بنا في هذا المجتمع الصامت المحروم من اكتشاف ذاته. هؤلاء ليسوا مناضلين سياسيّين بالمعنى التقليدي، هم ثوّار عام 2011 ومستقبلهم سيكون في المكان المناسب، لأن صحفيي التغيير هم صحفيو البناء.

Advertisements
Posted in: بلوك